فخر الدين الرازي
117
المطالب العالية من العلم الإلهي
لا تمنع من الإقرار بالحدوث في الجملة « 1 » ، لكونه معلوم الثبوت بالحس ، فكذلك يجب أن لا تمنع من الإقرار بحصول الحاجة والافتقار . والجواب عن الشبهة الخامسة : وهي قولهم : « المفتقر إلى المؤثر إما الماهية ، أو الوجود أو اتصاف الماهية بالوجود » فنقول : هذا الإشكال وارد في الحدوث ، فإنه يقال : لو حدث شيء لكان الحادث إما الماهية أو الوجود ، أو موصوفية الماهية بالوجود ، والكل باطل للوجوه التي ذكرتموها في تقرير هذه الشبهة ، وهذا يقتضي أن لا يضيء الجو « 2 » بعد أن كان مظلما ، وأن لا يقوم الإنسان بعد أن كان جالسا ، وكما أن هذا باطل فكذلك ما ذكرتم . والجواب عن الشبهة السادسة : وهي قولهم : « 3 » : « المحكوم عليه بالحاجة ، إما أن يكون بسيطا أو مركبا « 4 » فنقول : لم لا يجوز أن يكون بسيطا ؟ فإن عندنا السواد إنما صار سوادا بالفاعل ، والجوهر إنما صار جوهرا بالفاعل ، قوله : « علة الحاجة هي الإمكان ، والإمكان صفة نسبية ، والنسبة لا يمكن حصولها في المفردات » قلنا المراد عندنا : هو أنه لا يمتنع ( بقاؤه ولا يمتنع ) « 5 » زواله ، ولا نسلم أن الإمكان بهذا التفسير لا يعترض البسائط ، فإن قالوا : قول القائل السواد من حيث إنه ( سواد لا ) « 6 » يمتنع بقاؤه ولا يمتنع زواله : لا يفيد غرضكم . وذلك لأن ما ذكرتم يقتضي الحكم على السواد بإمكان البقاء تارة وبإمكان الفناء أخرى ، والمفهوم من كون السواد سوادا مغايرا للمفهوم من البقاء والفناء ، فما ذكرتم يدل على أن الإمكان يمتنع حصوله في الماهية البسيطة . قلنا : هذا تمسك بمحض اللفظ ، والمراد من الإمكان كون الشيء في نفسه ، بحيث يصح أن تبقى هويته وأن لا تبقى ، ولا شك أن المحكوم عليه بهذا المفهوم بالإمكان مفرد لا مركب .
--> ( 1 ) الحكمة ( س ) . ( 2 ) الهواء ( س ) . ( 3 ) قوله ( س ) . ( 4 ) شرطا ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) من ( ز ) .